محمد المقداد الورتتاني
121
البرنس في باريس
المنازل وصنع الكاغد والوقد في بيوتهم التي يلازمونها في كامل فصل الشتاء من شدة البرد « ومنافع الغابات سيأتي الحديث عنها في جبال شارطروز حول كرونوبل » . أما الجبال فزيادة على ما أنعمت عليها به العناية الإلهية من الأشكال البديعة ، فهي مكسوة الأديم بأنواع الأشجار والأزهار ومعممة بالثلوج الناصعة حتى صارت ذات جمال وهيبة بهذا اللباس الأخضر والعمائم البيض التي تخفف في زمن المصيف ، فتسقي الأشجار والمزارع بمياهها العذبة عند الذوبان وتشفي غليل كل ظمآن . وتظهر الطرقات بيضاء ممتدة في السهول ومتعرجة في الجبال كجداول ماء في بستان اعتنى مالكه بإتقان خدمته وإبداع تنسيقه . خيرات الأرض ومحاسن السماء بهرتني خضرة أديم الأرض في فرانسا وانتشار الثوب السندسي على البسائط والرّبى وامتداده إلى قمم الجبال . وحيثما مر بنا القطار إلّا وقامت أمامنا قدود الأشجار ، ورنت لنا عيون الأنوار ، وبسمت ثغور الأزهار ، الأمر الذي قلد فيه الطبيعة وقابلنا بمثله سكان ذلك البستان ، « ومملكة فرانسا كلها بستان واحد » ، البادي على وجوههم البشر والرافلين في الحلل الجميلة ، حيث صادف ذلك يوم الأحد ، وهو يوم الراحة والزينة والخلاعة عندهم ، في محطات سكة الحديد التي مررنا بها مداورة لقرى جبال الألب . وعجبت لما سبق لمسامعي من كثرة كلام الزائرين الأروباويين للمملكة التونسية وضربهم على وتر واحد وإجماع كلمتهم على حب قرص الشمس وبريق النجوم وزرقة السماء عندنا ، وغبطتهم لسكان هذا القطر على التمتع بجمال تلك المخلوقات الزاهرة والأضواء الباهرة . بما يخيل لسامعهم أن ليس في ممالكهم ما يغبطون عليه من جمال الطبيعة ونتاج الأرض حتى رأيت ما رأيت . فعلمت أن القوم أتمّو تدبير ممالكهم وتشبعوا من التنعم بمحتوياتها واستدرار خيراتها ، وتفرغوا لما بأيدي غيرهم ليشاركوا فيه وليعلموا قيمته . ونحن لا نعبأ بزينة الكواكب ولا نلتفت لقرص الشمس وما له من العظمة والمنافع وقد تقدم في فصل طلب العلم بالمقدمة ما في الحديث الشريف . العالم كالحمة يأتيها البعداء ويتركها القرباء . فبينما هي كذلك إذ